كان شاباً طموحاً متميز بأفكاره يبحث دائما عن الحلول للمشاكل العامة له نظرة ثاقبة وحس مرهف ورؤية عميقة ، كان واسع الاطلاع ومنفتح على الآخر ، يطمح دائماً وخاصة ما يخدم فيه وطنه ( والوطن هنا كل من يحب بلاده ومن فيها ) ذلك هو أخي الأمير محمد بن بندر بن محمد بن عبد الرحمن آل سعود يرحمه الله له العديد من القصص واخترت لكم منها هذه القصة الفريدة بأحداثها وسيناريوهاتها إنها قصة الخيام المقاومة للحريق تلك القصة التي استمرت أحداثها لأكثر من أربع سنين بل مازالت تبعاتها وآثارها الاجتماعية والشخصية والنفسية والتجارية إلى يومنا هذا إنها قصة تمثل الحرص على الارتقاء بالوطن والاهتمام بالإنسان والإصرار على خدمة حجاج بيت الله وضيوفه والمشاركة في رفع مستوى الخدمات وخاصة في مجال السلامة من جانب والبرقراطية والحسد والكذب والتدليس والخيانة والجشع واختزال الفكر والعمل من بعض المحسوبين على أنهم هم الوطن من جانب آخر .
تبدأ القصة عندما شاهد سمو الأمير محمد يرحمه الله على شاشة التلفاز وسمع الحريق الذي نشب في مخيمات الحجاج في عام 1415 هـ كان ذلك الحريق في مشعر منى .
- يستخدم احد الحجاج في خيمته موقد حيث كانت تستخدم ذلك الوقت وفي غفلة منه بدأت النار في السير بخطى بطيئة وتتسلل عبر عفشه المتواضع ليهرب مع مرافقيه خارج الخيمة في ذهول بقية الحجاج الذين حاولوا إطفاء النار ولكن اللهب كان أسرع منهم ووصل إلى الخيام المجاورة وتدب حالة من الفوضى والرعب وازدحم المكان بالغادين والرائحين بين مزمجر وصامت يبحث الحجاج في خضم هذه الأحداث عن إغراضهم الشخصية و أبنائهم وذويهم يحاولون إنقاذهم من جحيم هذا الحريق حاج يبحث بين احمرار النار عن طفلة غلبها الضعف والبكاء وشيخ أوهنه الكبر فلم يستطع الحراك وسلم نفسه لقضاء الله وقدره وامرأة أوجعتها حرارة النار فاحترقت قهرا لعدم استطاعتها إنقاذ أقاربها ومنهم من خرج سالما معافى إلا انه يتلمس أخبار أخوته وأصدقاؤه وكأنه ينتظر معجزات متمسك بإيمانه ومؤمنا برحمة ربه وهو ينظر لبعض الحجاج يسقط في طريقه ليجد نفسه عاجز تحت أقدام الهاربون من جحيم الموقف ، كان للحريق وقع كبير في نفس سمو الأمير محمد وكان يعتصره الألم عند سماعه لمثل هذه الأحداث وكعادته لم يكتفي بمشاعر الحزن والأسى بل سارع لإحياء فكرته القديمة التي يخدم فيها حجاج بيت الله الحرام وإيجاد ما يخدمهم ويسهل عليهم أدائها دون خوف أو وجل منذ عام 1410هـ وحان الوقت للتنفيذ ممتثلاً لقول الله عز وجل( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) " التوبة 105 " أي عمل يتشرف به أكثر من خدمة حجاج بيت الله الحرام والمشاعر المقدسة التي تخفق له قلوب الملايين وقضاء هذه الفريضة حلم يراود ملايين المسلمين في كل بقاع الأرض ، هكذا كان سمو الأمير محمد قلب رحوم وفكر مشرئب وعزم وتصميم على تقديم الأفضل في مجال السلامة فهو يسير على خطى أخيه سمو الأمير سعود بن بندر يرحمه الله مؤسس شركة ناسكو والتي تقدم خدمات السلامة والتي تعتبر رمزا وعلامة فارقة في مجال السلامة دفعه لذلك مكانة الإنسان وأهمية سلامته من هذا المنطلق شرع في تنفيذ فكرته الفذة وهي صناعة خيام مضادة للحريق لتستخدم في موسم الحج ، خصص ميزانية للأبحاث وهو أول من يخصص ميزانية للأبحاث في مجال السلامة على مستوى العالم العربي وبدأ العلماء والخبراء في العمل على الفور واستمرت التجارب وعمل النماذج ... نموذج بعد نموذج وخيمة تلو أخرى والعمل يجري على قدم وساق وكان يرحمه الله يشرف على العمل بنفسه ويتواصل مع فريق العمل بشكل دائم إلى أن وفقه الله وتوصل الخبراء والعلماء إلى النموذج الأخير والذي يحقق الهدف لن أصف لكم مدى فرحته في ذلك الوقت سعادة تختلط بصورة المأساة والحريق وضحاياه وكأنه يعزي الضحايا وذويهم ويقول لا تخافوا بعد اليوم من تكرار المأساة فاليوم أقدم لكم مصدر الآمان وخيمة الاطمئنان في أقدس مكان و أفضل زمان .. شعور لا يوصف وفرحة غامرة في قلب ينبض بحب خالقه ويبحث عن رضاه ويرجو رحمته حيث كان يدرك معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم (‏ لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير ) رواه احمد والأمن والآمان خير عظيم أحبه للحجاج كما يحبه لنفسه .
- يبدأ العمل في التصنيع وهي المرحلة الثانية في خطته حيث كان يرحمه الله منظم ويسير بدقة على الخطط التي اعتمدها وهذا ما جعله رجلاً ناجحا في حياته فطريقة عمله خلقت جوا من المحبة والألفة بينه وبين العاملين والموظفين وحتى شركاؤه .
- بعد انتهاء المرحلة الثانية شرع سموه في المرحلة الثالثة وهي موافقة الجهات المختصة ومن ثم تسويقها على مؤسسات الطوافة وبالفعل تم اعتمادها كخيمة مقاومة للحريق من قبل الجهات المختصة وكذلك تم التعاقد مع شركة تسويق في مكة المكرمة تقوم ببيع هذه الخيام على مؤسسات الطوافة لتتفرغ شركة ناسكو بالتصنيع والتوريد إلا أن الحدث الأول في القصة هو عدم قدرة شركة التسويق بيع الخيام للمؤسسات وخاصة صدور قرار بعدم إلزام مؤسسات الطوافة بشراء الخيام والذين تعذروا بارتفاع سعرها وشيء طبيعي أن يكون سعرها أعلى من الخيام العادية وهنا يتفوق المال وتحصل المصلحة المادية والأرباح على المركز الأول متفوقة على سلامة الحجاج في صورة يتجلى فيها الجشع والمصالح الخاصة على سلامة الإنسان في هذا المكان المقدس وفي أيام يتباهى فيها الله بعباده عند ملائكته .. موقف لا يحسد عليه سمو الأمير وحتى شركة التسويق ودعونا نتوقف عند هذا الموقف ونسترجع شعور سمو الأمير محمد وفرحته الغامرة عندما نجح في إيجاد ما يخدم به حجاج بيت الله الحرام دعونا نتوقف عند هدفه السامي لخدمة الحجاج وتأمين سلامتهم وموقف مؤسسات الطوافة التي غلبت المال والمصلحة على سلامة الحجاج صورة قاتمة الألوان مخضبة بطمع الإنسان رجال أطلقوا لأنفسهم العنان يقعدون في مجلس هم فيه الأسياد والبقية عبيد و هدفهم في الحياة ( هل من مزيد ) ، ومع ذلك لم يقف سمو الأمير محمد مكتوف الأيدي فإصراره أكبر وهدفه أنبل من أن يتوقف عند هذا الحد ، في خطوته الأولى وهذا يعكس مدى أخلاقياته وسموها قرر إعفاء شركة التسويق من الشرط الجزائي لعدم قدرتها على البيع بل وفي لفته كريمة وأخلاق عالية يدعم شركة التسويق ويطلب شراء الخيام من شركة التسويق من جديد وإنقاذ شركة التسويق من خسارتها فوجود الخيام في المستودعات وعدم وجود مشتري لها يعرضها للخسارة الفادحة لذلك تم البيع شفويا بين صاحب شركة التسويق حيث كان خارج المملكة في تلك الأثناء وشركة ناسكو ، تصرف كله نبل وإنسانية فهذا هو الأمير محمد بن بندر وهذا دأبه طيلة حياته يرحمه الله .
- حاول الأمير محمد في هذه الأثناء على إقناع إحدى الجهات الحكومية بشراء الخيام وكان ذلك عام 1417 هـ وفي موسم هذا الحج حدث حريق آخر وأتى على الخيام وتكررت معاناة الحجاج مرة أخرى واعتصر الألم قلب سمو الأمير محمد بشكل أكبر هذه المرة لأن الحل كان موجودا وسلامة الحجاج كانت في متناول الأيدي إلا أن الطمع كان عائقا بينهما ومن هنا سؤالي هل لحياة الإنسان ثمناً ..؟.
- من هنا تم شراء الخيام من جهة حكومية وبدأ التوريد وتم نقلها لمستودعاتهم وأجروا عليها التجارب من جديد وأكدت الخيام جودتها ودقة صناعتها هنا بدأ يتنفس سمو الأمير محمد الصعداء وبدأ يطمئن على سلامة الحجاج في الموسم القادم هذا ما دار في مخيلته التي لم تتوقع المؤامرة .. نعم مؤامرة دنيئة لم يكن يتوقعها الأمير محمد ولم يجد لها تفسير أدخلته في دائرة من التساؤلات وحاول أن يفسر ويتدارك الموقف إلا أن الموضوع أخذ منحنى آخر لم يكن في خططه ولا في خياله ... ستتعرفون أخواني أخواتي القراء على فصل جديد في هذه القصة المليئة بالأحداث والمفاجئات في العدد القادم بإذن الله .