عندما يبتسم الشيخ

طاهر بخش

 


العلماء ورثة الأنبياء.. وكثيراً ما يشاهدون بصرامتهم المعهودة, وجديتهم في الدعوة, وطلب العلم, وهو ما يلاحظ في دروسهم وفتاويهم.

وهؤلاء هم الناجحون الذين وصلوا بنجاحاتهم للمقامات والدرجات العلية, ولكن يغيب على الكثير منا الجانب الآخر لهم, فهم في النهاية بشر, يأكلون الطعام, ويمشون في الأسواق, ويميلون للمرح والمتعة, ويحبون ويكرهون, ولكن فضلهم الله سبحانه وتعالى على الناس بما لديهم من علم, وبما نالوه من رفعة من الله تنالهم, واستغفار الملائكة والحيتان في البحر... الخ.

فمن المواقف الطريفة التي حصلت للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (يرحمه الله) أنه كان مع العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز (يرحمه الله) في مجلس علم, فسألهما شخص فقال: لقد اخترع لنا جهاز ينبه عند السهو أثناء الصلاة, فلا يسهو المصلي إذا استعمله, فما حكمه ؟ فسكت الشيخ ابن باز, وضحك الشيخ ابن عثيمين, وقال للرجل: اسأله, أهو يسبح أم يصفق ؟ .. وكان الشيخ يقصد التسبيح للرجال والتصفيق للنساء !.

ومن المواقف الأخرى, لخفة دم وأريحية الشيخ الفياضة, انه كان خارج من بيته متوجهاً للمسجد وبيده مبخرة, فإذا بأحد الشباب ( الطائشين) يقترب من الشيخ ويقول: ياشيخ (ممكن أولع السيجارة) ؟ فقال الشيخ تفضل يا ولدي, وهذه كانت البداية لالتزام هذا الشاب, بل صار أحد طلابه.

وفي موقف آخر, أنه استقل ذات يوم سيارة أجرة (تاكسي) من المسجد الحرام, وأثناء الطريق أراد صاحب التاكسي أن يتعرف عليه فقال: ( ما أتعرفنا على الاسم الكريم يا شيخ ؟ ) فرد الشيخ معرفاً بنفسه: محمد بن صالح بن عثيمين, فرد السائق (تشرفنا, معك عبد العزيز بن باز) وهنا ضحك الشيخ وقال له: ابن باز ضرير كيف يسوق تاكسي ؟ فرد السائق ( بن عثيمين في الرياض وش اللي يجيبوه هنا ؟ تمزح معي أنت ؟ هنا ضحك الشيخ مرة أخرى, وافهمه أنه بالفعل ابن عثيمين .

وسأله سائل مرة قائلاً: إذا كان القارئ يستمع إلى القرآن في المسجل فجاءت سجدة في التلاوة, فهل يسجد ؟ فقال الشيخ: نعم إذا سجد المسجل !.

وفي موقف آخر, كان يتكلم (يرحمه الله) عن عيوب النساء في أبواب النكاح, فسأله سائل قائلاً: إذا تزوجت ثم وجدت أن زوجتي ليس لها أسنان, فهل هذا عيب يبيح لي طلب الفسخ ؟ فضحك الشيخ وقال: هذه امرأة جيدة حتى لا تعضك !.

ومن المواقف الدالة على سرعة البديهة ولطف معشره (يرحمه الله) أنه كان عائداً من المسجد إلى بيته لاستقبال الملك, ولكنه فوجئ بالجنود والحراسات يغلقون الطريق, وعندما اقترب الشيخ من منزله اعترضه أحد الجنود وحاول منعه لأن الطريق مغلق تمهيداً لوصول الزائر الكبير, فقال الشيخ: إن الملك أتٍ لزيارتي...؟ فصوب إليه الجندي نظرة استغراب, وكأن لسان حاله يقول: إن شكل هذا الشخص بملابسه المتواضعة لا يرقى إلى المستوى الذي يجعل الملك يأتي لزيارته, ولم يعلم أن المظهر لا يعكس الخبر وان الملك قادم بالفعل لزيارته, وأخيراً جاء من يعرف الشيخ وتم إفساح الطريق له.

ومن المواقف أيضاً, قابله أحدهم في المستشفى فسأله: ماذا تفعل هنا يا فضيلة الشيخ ؟ قال الشيخ: أحلل السكر, فقال السائل: كلنا نعرف أن السكر حلال, أبحث لنا عن شيء آخر وحلله لنا !.

ولا زلنا مع الشيخ يرحمه الله في مواقفه اللطيفة والطريفة.. ففي إحدى المرات أتى أحد كبار السن من القرية وقد أدركته الصلاة قرب مسجد الشيخ, فدخل ليصلي, وهو لا يعرف الشيخ, وأثناء القراءة أخطاء الشيخ في التلاوة, فرد عليه عدد كبير من طلابه, وبعد الصلاة قال لهم الشيخ: إن التصحيح لا يكون بصورة جماعية, فقال البدوي: ( المفروض في الشيبان اللذين لا يجيدون القراءة مثلك ومثلي أن يعودوا إلى الصفوف الخلفية ويتركوا الصلاة للشباب المتعلم !).

وهذه المواقف واللطائف غيض من فيض لسمات وفقه هؤلاء العلماء والتوجيه الرباني يقول: ( ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك).

هم شخصيات آلت على نفسها الجد والاجتهاد والمثابرة والصبر, وفي المقابل التسامح والملاطفة والتعامل بالتي هي أحسن مع الآخرين .

ومن العلماء الذين كان لهم باع طويل في العلم وخاصة علم الحديث العلامة فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (يرحمه الله) ومن مواقفه في سعة علمه, وبُعد نظره وأريحيته الفياضة أنه كان راكباً مع بعض طلبة العلم في سيارته, وكان الشيخ يسرع في السير فقال له الطالب: خفف يا شيخ, فإن الشيخ أبن باز يرى أن التجاوز في السرعة إلقاء بالنفس إلى التهلكة, فقال الألباني: هذه فتوى من لم يجرب فن القيادة, فقال الطالب, هل أخبر الشيخ أبن باز؟ فقال الألباني: أخبره.

فلما حدث الشيخ أبن باز بما قاله الألباني ضحك وقال: قل له هذه فتوى من لم يجرب دفع الديات.

سبحان الله حتى فيما بينهم كانوا يتبادلون المزاح البريء والطرفة العابرة, ولم يمنعهم علمهم الغزير وأدبهم الجمّ, وسمتهم المهيب أن يكونوا كما كان سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم, كان يمزح ولا يقول إلا حقاً.

الشيخ ناصر العمر, حفظه الله, يذكر في شريط  (بيوت مطمئنة) قصة جميلة حدثت في قرية من القرى, يقول: كانت النساء في رمضان يصلين خلف الإمام في الصفوف الخلفية, وليس هناك ميكرفون, وكان الإمام يتحدث, وكان من الزهاد فقال: اليوم نتحدث عن حقوق الزوج والزوجة, فبدأ يتحدث عن حقوق الزوجة, وأن لها كذا وكذا فسمعوا امرأة في الخلف تدعو للشيخ: جزاك الله خيراً, بارك الله فيك, حتى ابتسم الأزواج, وكان كلما ذكر حقاً للزوجة ارتفع صوتها بالدعاء للشيخ, فقال الشيخ الآن ننتقل لبيان حقوق الزوج على زوجته, فيقول الشيخ: أنه ذكر الحق الأول فلم يسمع إلا همساً, ثم ذكر الحق الثاني فسمع لهذه المرأة وشوشه, فلما ذكر الحق الثالث قامت المرأة وقالت: هذه من عندك وليست من عند الله ولا رسوله يا أبن فلانة, وخرجت من المسجد. هذه المواقف والقصص والروايات اللطيفة سقتها هنا لبيان حال أولئك العلماء الذين شهد لهم القاصي والداني بسعة العلم وقوة الحفظ, وسمو المكانة والمنزلة عند الناس, ومع ذلك وجدوا وقتاً للمزاح البريء والطرفة العابرة وسرعة الإجابة الحاضرة.

نسأل الله أن يتغمد الميت منهم برحمته وأن يسكنه فسيح جناته, وأن يحفظ الحي منهم بحفظه ويمن عليه بالصحة والعافية.