|
من يبكي على من ..؟!
|
![]() |
أقلام .. نجاة المرزوقي |
|
تمر بنا الأيام ولا تزال تأخذ معها بعضنا .. في أحيان كثيرة قد يكون الراحلون أناسا لا نعرفهم .. ولم يسبق لنا الاحتكاك بهم .. وقد لا يؤثر بنا رحيلهم .. فنحن دائما ما نأسف لرحيل الأعزاء .. ورحيل الأقرب إلى أرواحنا وقلوبنا .. غير أن الحزن له نهاية .. فيستحيل إلى ذكرى طيبة تظل راسخة .. تفرض علينا الدعاء بالرحمة والمغفرة لصاحبها .. وهذه إحدى مكارم ديننا العظيم .. فالميت من بيننا لا ينسى .. بل يظل واجبه وحقه مفروضا على الجميع .. والى قيام الساعة .. ومع كل دعوة يدعو بها مسلم في شرق الأرض أو غربها ويسأل الله فيها أن يرحم أموات المسلمين .. ترحل بركاتها وخيراتها إليهم كالبشرى .. تدخل عليهم البهجة والسرور وتخفف عن بعضهم ما يجد من مخاوف وشدة .
وما دامت الرحمات تهطل عليهم مدرارا على مر الأيام والأعصر .. فهم بخير .. وما داموا في ذمة خالقهم أرحم الراحمين ، من هو احن عليهم من والدة بولدها فهم بخير .. وما داموا على ملة الإسلام وكلمة التوحيد فهم بخير .. وما دامت أعمالهم الحسنة التي عملوها في الدنيا شاهدة لهم .. وما دام لهم محبين ومشفقين يدعون لهم ويرجون لهم من الله الرحمة فهم بخير بإذن الله .
إن للرحيل مرارة .. وللفقد حرارة .. ولكن إذا ما نظرنا إلى ما خلفه كل راحل عنا من الصالحات .. وإذا ماعلمنا أن الراحلون قد ذهبوا إلى دار الخلود .. فإن ذلك بلا شك يخفف عنا ألم الفقد .. فالموت ليس نهاية المطاف وإنما بداية الحصاد .. وما زرعوه لنا قبل رحيلهم يخلد لنا ذكراهم .. ويحملنا على الدعاء لهم في كل حين .. فهم قد فعلوا ما بوسعهم من الخير .. أدوا واجبهم .. وتركوا السيرة العطرة تملأ ذاكرة من عرفهم أو علم عنهم .. ثم غادرونا إلى خالقهم ليستبشروا بحصاد ما زرعوه .. ويشفقوا على من لا يزالون في الدنيا تلهيهم مباهجها الفانية عن العمل لذلك اليوم الذي تبيض فيه وجوه وتسودّ وجوه .
أن المؤمن حين يموت لا يندم إلا على تقصيره .. وان تمنى العودة للحياة لا يتمناها إلا رغبة في التزود من الطاعات والعمل الصالح وزرع المعروف .. فمن عمل صالحا فله البشرى .. ومن عمل السوء فحسابه على ربه ورحمة الله أوسع .. فربما عمل في دنياه عملا واحدا كان له منقذا من سوء المصير .. إلا أن العمل الصالح مطلوب .. طاعة لله وتنفيذا لأوامره . حكي أن احد المسرفين على أنفسهم قد مات .. فلم تجد زوجته من يحمله أو يصلي عليه لكثرة فساده .. ثم أنها استأجرت حمالين لحمله إلى المصلى فلم يصلي احد عليه .. فحملته إلى صحراء حتى يدفن فما تبعه احد .. وكان في الصحراء جبل يسكنه احد الزاهدين الكبار فنزل إلى جنازة الميت ليصلي عليها .. فلما علم الناس أن الزاهد نزل ليصلي عليه اقبلوا جميعا فصلوا عليه ودفنوه .. وكان الزاهد قد رأى في منامه من يقول له انزل إلى ذلك الموضع ففيه رجل مات ولم يصلي عليه احد فصل عليه فإنه مغفور له .. وحين سأل الزاهد امرأة الميت عنه وما كان يصنع من خير فقالت لم يكن يصنع من الخير سوى ثلاثة .. فكان كلما أفاق من سكره وقد أذن الفجر اغتسل وتوضأ فصلاه جماعة .. والثانية انه ما كان بيته يخلو من يتيم أو يتيمين فكان يحسن إليهما أكثر من إحسانه لأولاده .. أما الثالثة فكان يفيق من سكره في ظلام الليل فيبكي ويقول : يارب .. أي زاوية من زوايا جهنم تريد أن تملأها بهذا الخبيث (يعني نفسه) .. فانصرف الزاهد وقد زال إشكاله في أمر الميت .
إن الميت المسلم يرحل في كرامة .. مصانا ومهابا .. تتبعه الدعوات .. وتصل إليه الرحمات وهو في قبره .. سواءً من دعوة أخ في الدين أو ولد صالح أو محب أو قريب .. وتبشره الملائكة بحسن المآل ونجاح العمل منذ أن تفارق روحه الجسد .. بينما يظل الحي في دار الفناء تثقله همومها .. وتغريه محاسنها .. يتأرجح في خيرها وشرها .. وقد يوفق إلى عمل صالح ينفعه عند لقاء ربه .. أو يغلبه حب الدنيا وأمله في طول العيش حتى يحين الأجل .. وينقطع العمل .. فمن هو أحوجنا بالبكاء والأسى .. من رحل إلى رحمات الله وذمته تاركا من خلفه حسن العمل وصلاح الزرع .. أم من يظل في دار الفناء مشغولا عن دار البقاء بمحاسنها الزائلة .. وحلاوتها الممزوجة بالمرارة .. لاه عن واجباته .. وغارق في ملذاته .. يسوّف بأن يعمل صالحا في غده الذي قد لا يأتي إلا وقد انتقل إلى دار الحق .. وما هو أجمل من أن يؤدي المسلم ما عليه .. ويقوم بدوره على أفضل حال .. ثم ينشر طيب الصيت في كل مكان حتى يتبعه إلى قبره .. بل ماهو اسعد من أن يكون الموت في ذاته مكفرا لذنوب المسلم .. قال صلى الله عليه وسلم : "الموت كفّارة لكل مسلم "
ولعل ما يواسينا في رحيل من أحببنا أن بعد الفراق لقاء .. وكل ما على الأرض إلى زوال .. والى أن يحين اللقاء .. يظل الدعاء بالرحمة والمغفرة رسالة حب وخير إلى أمواتنا ..فأسأل الله أن يشملنا بالرحمة ويرزقنا ومن سبقنا إليه الجنة بغير حساب .
خاتمة .. نظر إبراهيم الزيات إلى أناس يترحمون على ميت فقال : لو تترحمون على أنفسكم لكان خيرا لكم ، فإنه نجا من أهوال ثلاثة : وجه ملك الموت وقد رأى ، ومرارة الموت وقد ذاق ، وخوف الخاتمة وقد أمن .
|
||