|
بين التوكل .. والتواكل ..
|
|
|
بالرغم من إيماننا الكامل بأهمية العمل .. ودروه الهام في توفير الدخل الذي يحدد فيما بعد مستوى المصروفات سواءا للفرد أو الجماعة .. وبرغم الأمثال والحكم الكثيرة التي تضفي على العمل طابع الأهمية .. وتربطه دائما بقيمة الناتج .. إلا أن أغلبنا يميل إلى الكسل والتواكل .. ويرغب في قطف الثمار فقط دونما جهد .
لقد كشف سوق الأسهم عن آلاف الأفراد الذين يمثلون فئة الكسالى إن صح التعبير .. فهم لا يفعلون شيئا سوى شراء السندات أو الاكتتاب في تلك الشركة أو ذلك البنك .. ومن ثم ينتظرون أن ترتفع أسعار الأسهم ليقوموا بإصدار أمر ببيعها .. ثم الحصول على مبالغ كبيرة في وقت قصير غالبا .. وكأن المتوقع أن يظل الربح مستمرا إلى مالا نهاية !
قد يقول قائل أن هؤلاء قد بذلوا جهودا وتفانوا لجمع مبالغ الاكتتاب التي ساهموا بها .. إلا أن العمل لم يكن يعني ذات يوم أن أجمع رأس مال مشروع .. ثم اتركه لغيري كي يعمل به ما يشاء دون أي رقابة مني أو تدخل .. وإذا افترضنا أن هذه العمليات تقوم على أساس المضاربة والتي تتمثل في طرفين أحدهما يقوم بالتمويل والآخر يقوم بالعمل ثم يتقاسمون الربح .. فمن الصعب جدا أن نفترض بان البنك قد يمثل الطرف الثاني .. بما أن البنك مؤسسة كاملة .. لا يمكن للفرد العادي أن يراقب أعمالها .. أو يتابع ما تقوم به .. فالغالب أن المساهم لا يعلم حتى في أي المشاريع تستثمر أمواله .. وهذه احد النقاط الهامة التي كانت وأظن أنها لا تزال محل خلاف !
أن فئة الكسالى دائما ما يعيشون كمقلدين .. لا قادة .. وأكثر ما يسيء إلى مجتمع أن يكون أفراده من فئة المقلدين .. فإن أحسن الناس أحسنوا .. وان أساء الناس أساءوا .. والحقيقة أن اغلب المساهمين .. لم يدخلوا إلى هذا السوق المالي إلا من باب التقليد .. لمجرد علمهم بأن فلان أو فلانة قد وضعوا مبلغا بسيطا من المال .. ثم تضاعف المبلغ خلال مدة وجيزة ليحولهم إلى أصحاب رؤوس أموال .. أو ينقلهم من حال إلى حال . وهكذا .. هرع الآلاف إلى المساهمة .. وأكاد أقول أن كثيرا من هؤلاء المساهمين لم يكونوا يعلمون شيئا من أمر المساهمة أو كيفيتها .. أو ما يمكن أن يجري بشأنها فيما بعد .
وما يستحق الرثاء فعلا .. أن تتحول تلك المبالغ الضخمة .. مقارنة بأعداد المساهمات المهولة .. إلى هذا السوق فقط .. بينما تحرم أسواق أخرى من استثمار جزء من هذه المبالغ فيها .. ولنا أن نتخيل .. كيف يمكن أن يكون الحال لو أن نصف أموال المساهمة قام أصحابها بإدارتها بأنفسهم.. وأقاموا بها مشاريع خاصة بهم .. كم يمكن لها أن تدر عليهم من الربح الأكثر ضمانا واقل تذبذبا .. وكم ستساهم مشاريعهم الصغيرة او المتوسطة في التأثير على مستوى الأسعار بالنظر إلى العلاقة العكسية مابين زيادة العرض والمنافسة مع مستوى انخفاض السعر .. بدلا من أن تتبخر أحلامهم وأموالهم ..
قيل فيما قيل سابقا : " ما حك جلدك مثل ظفرك .. فتول أنت جميع أمرك " .. وفي هذه الحكمة كفاية .. فاستثماري لأموالي بنفسي يعني المزيد من الحرص .. والمزيد من الأمان .. والمزيد من تقديري للجهد الذي بذلته حتى أكونها وامتلكها .. وهذا الجهد يفرض علي إلا أجازف بها في متاجرة لا أعلم عن تفاصيلها شيئا .. ولا أقوم عليها .. ولا ألم بما يجري بشأنها إلا بعد فوات الأوان .
هاهم الآلاف يدفعون ثمن التواكل .. بينما يجزعون بعد تكبدهم الخسائر تلو الأخرى .. وكأنهم لا يعلمون مسبقا أن لعبة السوق لا تناسب سوى من يجيدها .. ويفهم قوانينها جيدا .. ولديه الاستعداد الكافي لتحمل تبعاتها .
أن نصيحتي لكل من يملك مبلغا من المال يمكنه استثماره .. ألا يتركه لرهان الأسهم .. فاجتهاده لوضعه في مشروع ما .. يصنعه بنفسه .. ويديره بنفسه .. ويتابع تقدمه خطوة بخطوة .. لهو أجدى بكثير من دفعه إلى مساهمة قد تكون سببا في ضياعه .. وتبدد حلم الثراء السريع معه .. فالمساهمة الفعالة تكون عند توافر المال الفائض والمعرفة التامة بشروط المساهمة ونوعية النشاط وبالجهة التي تقوم به .. أما المبالغ الصغيرة والتي عادة ما تجمع بواسطة الديون أو بيع الممتلكات فمن غير الرشد أن تذهب إلى مساهمة فيترك مصيرها إلى أرجوحة الرهان .
لنبذل جهدا في إدارة مشاريعنا الخاصة بالتوكل على الله ثم على جهودنا الشخصية أو الجماعية .. ولنترك التواكل .. فليس أفضل من أن نجني ثمرة زرعناها بأنفسنا .. وقمنا برعايتها حتى كان الحصاد .
وأخيرا ..
" قليل يستمر ..خير من كثير ينقطع "
|
||