|
الطابوهات في الرواية العربية النسائية الجديدة |
|
الكنتاوي لبكم - أقلام
|
لعل تناول التابوهات من المحرمات في عالمنا العربي، رغم ما قد يلاقيه من ترحيب في دور النشر الغربية باعتباره جانبا معتما تسعى الكثير من دور النشر هناك إلى التقاط مسودات مبدعيه و نشرها، ولعل العديد من المبدعات العربيات اخترن الطابو كمادة خام في مغامرتهن الروائية الأولى أن تنغمس في تفاصيل قضية العذرية والمسكوت عنه عند المرأة العربية عبر فصول رواياتهن التي أفرزت نهايتها بداية الكثير من الأسئلة حول الروائية والرواية ثم مدى قابلية القارئ والمثقف العربي لتلقي تفاصيل روائية بما لها وما عليها ولو كانت تبحث في المسكوت عنه.
وسنتوقف عند نموذجين عربيين أولهما رواية بنات الرياض للروائية السعودية رجاء الصانع وما أثارته من ضجة وصلت للمحاكم السعودية و أثارت العديد من النقاشات حول جدوى الرواية و طرحها المختلف للسائد في متن الحكي السعودي و الخليجي عموما، إذ تقدمها الكاتبة بدرية البشر في مقالة لها في جريدة الشرق أوسط بمايلي: بروح شابة في مطلع العشرينات جلست رجاء الصانع خلف مقود روايتها «بنات الرياض» وأدارت شريط عبد المجيد عبد الله وهو يغني «يا بنات الرياض، يا جوهرات العمايم، ارحموا ذا القتيل اللي على الباب نايم»، وصرت دواليب سيارتها، وهي تنطلق في مطلع الرواية الأول، كما يقود الشباب الصغار عادة سياراتهم. بهذا المطلع «التفحيطي» السريع أقلعت بنا رجاء الصانع، خريجة طب الأسنان حديثا، في قصة أربع شابات صغيرات يمثلن شريحة لا تعاني من أخوة يشددن شعر اخواتهن عند القبض عليهن متلبسات بمكالمة شاب، ولا نواح الزوجات المستمر، لأن واقع النساء الأربع الصغيرات لم يعد هو عصر الأسلاك الممدودة سريعة الكشف، ولا عصر «وضحى وبن عجلان» و«رأس غليص»، بل عصر الفضاء، وأقمارهن أقمار صناعية، لا تستطيع الحد من تحليق عقولهن وأرواحهن بحثا عن ذات بعيدة الكشف، بعضهن يبحث عنها بالعقل وبعضهن بالقلب وبعضهن بالاثنين معا. على باب كل فصل تضع رجاء حكمتها، آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأقوال مشاهير الكتاب والسياسيين، وبعض أبيات لنزار قباني الغارقة في الحب اللذيذ إلى أغاني نوال الكويتية، فرجاء تصطاد الحكمة الملقاة على قارعة الكلام، وتبحث عن ضالة المؤمن تلتقطها أينما وجدتها. رائحة المنتديات تنتشر في جنبات الرواية، الحوار العامي المعتاد بين مرتاديها، بعضه خصام وبعضه شتائم وأحكام جاهزة، القفشات الهوائية الظريفة. الرواية مجنزرة بايقاع ذكي لأزرار «الكي بورد»، محتمية بغطاء قمر صناعي بعيد الكشف والاستدلال. أما الدكتور نبيه القاسم فيرى أن الكاتبة رجاء الصانع ، كما أحلام مستغانمي، استطاعت أنْ تُؤكدَ على قُدرة المرأة في منافسة الرجل وتجريدِه منَ الهالة التي طالما تباهى بها وتفرّدَ في ساحة الخَلق والإبداع ومُراودة مفردات اللغة وتَخليق دلالاتها اللامتناهية واستخراج مكنوناتها السحرية كما فعلت أحلام مستغانمي. وقُدرتها على البساطة والعَفويَّة حتى السذاجة في تناول اللغة المُتداوَلة بلكناتها المُختلفة وتسرّب كلمات من لغات أخرى وتقديمها بشكل مثير جَذّاب خَلاق كما فعلت رجاء الصانع. والأكثر اثارة وإغضابا للرجل أن رجاء الصانع كأحلام مستغانمي وليلى بعلبكي أخرجنَ الرجلَ من مَخدع المرأة الذي طالما عبثَ فيه واستأثرَ بأحَقيَتِه في الإقامة فيه وتَملّكه وأظْهرْنَ عجزَه في ما ادّعى مَعرفتَه، وسطحيتَه في ما اعتقدَ مَجالَ تَخَصّصِه.
وتمكّنت رجاء الصانع كغيرها أن تُظهرَ الرجلَ على حقيقته بعيدا عن الأقنعة التي يتظاهرُ بها، بأنّه لا يزالُ، مهما ارتقى في المَناصب ودرجات العلم، وسافرَ وتَعرّفَ وأتقنَ اللغات الكثيرة ، ابنَ البيئة التي وُلِدَ فيها. وأنّ العادات والتقاليد والمَفاهيم التي نشأ عليها هي التي تُوجّه خطاه وتُحَدّدُ مستقبله. وما تأخّرُ المجتمع العربي وانتكاستُه في اللحاق برَكب الحضارة والتقدّم العلمي والفكري إلاّ نتيجة لهذا الموقف الذكوري المُتجمّد الرّافض لكل ابتعاد عن الماضي والمُصرّ على قَمع المرأة ورَفض مُشاركتها له في صُنع الحاضر والمُستقبل. أما الروائية المغربية الشابة زكية خيرهم فمن خلال روايتها نهاية سري الخطير التي تدور أحداثها حول بطلة الرواية (غالية) المقيمة بالمغرب،وتعاني غالية من عقدة فقدان البكارة ،حيث رأت في طفولتها نقطة دم على ثوبها الداخلي فظنت أنها فقدت بكارتها،فصارت لاحقا تتهرب من الزواج خوفا أن يقتلها أهلها دون أن يهتموا بطهارتها،إذ توالت عليها كوابيس وأوهام ترى فيها أن أهلها يذبحونها. وبعد أن تتفوق غالية في دراستها تحصل على منحة دراسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث ستقيم مع عائلة أمريكية وفق برنامج دراسي وبعد إلحاح الكثيرين من أهلها تعود غالية إلى المغرب وتقرر إتمام مشوارها الدراسي، إلا أن والدها سيرفض في البداية ثم يوافق بعد إلحاح من صديق ليبي سيطلب منه أن ترافقه إلى ليبيا لتدرس هناك وتقيم معهم في بيتهم الواسع، يوافق الأب ، لترافقه وتكتشف في رحلة السفر الطويل أن الرجل الكبير السن الذي كان يعرف عند عائلتها ب (ابن الإيمان) لشدة ما كان يظهره من تقوى ن إنما هو منافق كاذب وبخيل يسعى إلى الاستيلاء على مالها والتحرش بها في السيارة خلسة عن زوجته الشابة الطيبة. ولكن يجدها سائق السيارة (سمير)الشاب المثقف مستورد السيارات من أوروبا، حيث توطدت صداقة بينهما وتحولت فيما بعد إلى علاقة حب من جانبها أو ما بدا لها أنه حب من جانبه. في ليبيا حذرها سمير من الرجال ومن السير في الشاعر لوحدها فحماها وساعدها، لكنها ابتعدت عنه لما سعى مرة إلى علاقة جنسية معها، غالية التي ستصادف الكثير من التحرشات في سعيها إلى الحصول على عمل ، تعرفت فيما بعد على الدكتور نبيل وهو سوداني يعمل في مركز دبلوماسي إفريقي، كان أكبر منها سنا ومتزوجا وأبا لخمسة أطفال ، لكنه أحبها حبا صادقا، وقام بتهريبها عبر باريس إلى المغرب بعد أن سلط عليها مدير عملها رجالا إدعو أنهم من اللجان الثورية حين رفضت أن تسلم نفسها له. ومن خلال توالي السرد تنتقل الروائية من حكاية إلى أخرى لكل منها شخصياتها و تفاصيلها ،وفي بلدها بدأ الإصرار عليها من جديد لكي تتزوج ،فكانت ترفض ومرضت ثم حاولت الانتحار،وحتى الطبيب الذي عالجها تكيف مع الجو الاجتماعي السائد وأدار ظهره لما درس في علم النفس، فصار يصدق حكايات أمها عن الجني الذي يسكنها ويسبب لها نوبات عصبية،أما والدها القاضي الدكتور والشاعر فكان يقول أن عين حسود أصابتها. وأخيرا يصر الأهل على تزويجها وهي المتمسكة بإتمام دراستها، فيعلم نبيل ويأتي إلى المغرب، فيطلب يدها ويعدها بأن تكمل دراستها في الولايات المتحدة. سافرا معا،وعاشا كصديقين بعد أن خدعا النسوة ليلة الدخلة بدم من يده كذليل على عذريتها،وبعد دراستها في أمريكا وتنعمها بالحرية ، أطلق سراحها،لتتعرف بعد ذلك على أستاذ جامعي لبناني يعمل في النرويج كان يزور أخاه في أمريكا ونشأت بينهما قصة حب وتزوجا. وعن الرواية يقول الناقد الليبي أحمد رحال : الطرح الفكري والعلاج الفكري الذي يتناول قضايا اجتماعية التزم بها مجتمع غالية إن أهم شيء يجعل (نهاية سري الخطير) رواية حقيقية هو أن زكية خيرهم كتبت من منطلق معاناة ظهرت علاماتها من خلال قراءة الرواية، لأن من يقرأ الرواية يحس نداء في نفسه وصوتا في عقله يقول إن زكية خيرهم فعلا قدمت ما قدمت من خلال معرفة ومعاناة حتى كأنها هي نفسها غالية بطلة الرواية. إن روح المعاناة وأصلها الذي تحرك في غالية هو عملية الختان التي أجريت لها، فشعرت غالية بالظلم الذي وقع عليها كأنثى، وظلت عمرا بأكمله تتساءل " لماذا يخلق الله شيئا للفتاة فيأتي المجتمع ليحرمها منه؟" ولكن الإجابة تؤلمها أكثر عندما تعرف أن هذا المجتمع يربط الخطيئة بالمرأة ويعفي منها الرجل وعندما تتأكد من جريمة التفضيل الظالم الذي يأخذه الرجل منها وعندما ترى بأم عينها الرجل وهو يفخر بمغامراته ورجولته وله الحق في فعل ما بدا له بينما ينبغي على الفتاة أن تعتبر نفسها وحدها من يحمل شرف العائلة والمجتمع ووحدها من ينبغي أن تجتهد في تجنب حتى أن تقع فريسة لرجل وإلا ستقتل ويكون قاتلها من جنى عليها. المتميز في الرواية والمميز لها هو طريقة الطرح الفكري والعلاج الفكري الذي يتناول قضايا اجتماعية التزم بها مجتمع غالية أو زكية، وهذا الأداء يجعل الرواية تخرج عن كونها قصة محكية تسلي وكفى، بل تجعلها فكرة حية ومجتمعا حقيقيا فيه بشر منهم المثقف ومنهم الجاهل، منهم الشجاع ومنهم المستسلم، منهم المبادر ومنهم المنتظر، تجعلها مجتمعا يتحاور ويتعامل لحل مشاكل أو تعقيدها، لتطوير البناء الاجتماعي أو هدمه وجموده، هذا المجتمع ينظر إليه المتلقي والناقد ليكتشف بروحه وعقله مكمن الداء ومنبع الدواء... إنها الرواية المجتمع. هل نجحت الروائيتان في باكورة أعمالهما الأدبية؟أم أن الكثير من الهنات اعترت بناء روايتها؟وهل عكس نفاذ الطبعة الأولى من روايتهما نجاح تلقي الصورة المؤلمة التي حاولتا نقلها عبر فصول الروايات؟ قد سبقهما الأديب المغربي العالمي محمد شكري في تناول الجانب المعتم في وسطنا الاجتماعي وقوبل بمنع روايته الشهيرة " الخبز الحافي" من التداول في المغرب وفي معظم البلدان العربية ، يبقى الفارق هنا أن إمرأة تكتب عن شجون مثيلاتها ربما تكتب من خارج التجربة لكن الأكيد أن هناك حبل سري يصل رحم الإحساس بواقع لا تزال تعيشه النساء العربيات وربما تتلاحق بعدهما بنات مدن أخرى و نهاية أسرار أخرى.
|