|
فمن يبدأ ؟! |
|
||
أثناء تصفحي لحوار ما مع احد العاملين في مسلسل يمكن اعتباره من الطراز الشعبي وحظي بجماهيرية كبيرة إلى حد بعيد .. استوقفني سؤال يبدو انه أول ما يمكن أن يلوح في ذهن متابع لذلك العمل .. أو متابع للاهتمام الشعبي به دون سواه تقريبا .. وكان السؤال يتعلق بنفس الأمر .. فما هو سر الإعجاب الجماهيري بهذا العمل .. رغم انه يمثل أخلاقيات مجتمع في فترة سابقة لم تعد ترى الآن كما كانت سابقا على الصعيد العام . أما الإجابة فكانت لا تقل إثارة للاهتمام .. فالشعبية من وجهة نظر الممثل لذلك المسلسل تكمن في افتقاد المشاهدين لتلك الفترة السابقة بما فيها من مزايا أخلاقية وسلوكيات اجتماعية كان يتمتع بها أغلب الناس آنذاك .
ذلك السؤال وتلك الإجابة .. كشفا عن حب الجماهير العربية وتقديرها للعادات الحميدة التي كان يتمتع بها الفرد العربي لفترة طويلة من الزمان .. بالرغم من تراجعها الكبير منذ ظهور المدنية الحديثة التي تمثل المادية بكل أشكالها .. وهذا يعني أن القيم لا تزال مختزلة .. أي أنها موجودة .. حتى وان لم تظهر في السلوك العام كما يحدث في وقتنا الحاضر لدى أغلب المجتمعات .. وان وجد من يمثلها سلوكا وفكرا إلا أنهم يظلون قلة في السواد .
لقد وصلت الحضارة إلى معظم الدول ..بينما تتفانى دول في الوصول إليها .. واقصد بالحضارة .. حضارة المادة التي تجتاح الدول صغيرة كانت أو كبيرة .. وتقوم من اجل الوصول إليها دراسات ومؤتمرات وأبحاث .. وجهود حثيثة لا تخلو من تنازلات أحيانا .. لكن ومع صور حضارة اليوم وما فيها من تكنولوجيا وتقنيات حديثة .. ومع كل ما تحمله من ابتكارات وثورات تتسابق مع الزمن .. إلا أنها وللأسف .. لم تكن ناجحة على الصعيد الأخلاقي .
إن الشريعة الإسلامية تدعو دائما إلى التطور والتقدم .. وتشيد بالعلماء وتحث على التعلم .. والحضارات الإسلامية المتعاقبة تعطي نموذجا جميلا للتوازن مابين الاهتمام بالماديات والروحانيات .. فبالرغم من السمة الدينية التي نشأ عليها الأسلاف حتى لم يكن يبلغ واحدهم مبلغ الشباب إلا وقد حفظ من الحديث والشعر ما حفظ .. وعلم من الحساب والفلك ما علم .. ناهيك عن حفظه للقران كاملا .. ليكون أساسا لعلمه وتأسيسا لحافظته وفهمه .. فبالإضافة إلى ذلك .. كان يتجه فيما بعد إلى الطب أو الفيزياء أو الفلك أو الحساب ..أو غيرها من العلوم بينما جمع بعضهم مابين علمين وثلاثة في آن واحد .. وبرغم الاهتمام بالثقافة الدينية آنذاك إلى ذلك الحد الذي يوجب على كل متعلم حفظ القران وعدد من الحديث قبل كل شيء .. إلا أن ذلك لم يعطلهم عن البراعة في علوم أخرى دنيوية .. بما أن الحياة لا تقف على كفة واحدة . كما أن ذلك لم يثنهم عن البناء والعمل حتى ظهرت المدن الإسلامية الكبيرة والتي ظلت إلى فترات طويلة منارة علم وحضارة يفد إليها الناس من أصقاع الدنيا .
لقد بهرتنا الحضارة المادية .. وأغرتنا بالسير في ركبها .. حتى تسربت من بيننا أخلاقيات كثيرة أصبحنا نفتقدها في حياتنا اليومية .. فحب المال .. والرغبة في الاستزادة منه .. لا يمكن له أن يتوقف .. ومع ذلك تظهر صور الأنانية والجشع والظلم .. وصور متعددة أخرى تقتل صورا من الجمال والرقي في حياتنا .. وهذه هي سقطة الحضارة المادية .. التي تركز على جانب على حساب الآخر فتميل الكفة .. ويظهر الخلل وتتزايد المشكلات التي تبحث عن حلول كلما استمر العمل بها .. فهي ببساطة قاصرة على أية حال !
وبما أن الشريعة هي من توجهنا وتحكم سلوكياتنا .. فلا بد أن يظل الحنين دائما إلى أخلاقيات رفيعة تحلى بها آباؤنا .. وحرصنا على أن نتحلى بها .. غير أننا نفتقد منها الكثير .. من خلال ما يظهر جليا في سلوكياتنا وتعاملاتنا اليومية .
نحن دائما ما نتحدث عن الماضي بعاداته الأصيلة وأخلاق أبنائه النبيلة وسلوكيات أهله العظيمة .. دائما ما نتحدث عن كل هذا بلوعة واشتياق .. وجميعنا -كما تقتضي الفطرة السوية- نحن إلى تلك العادات الحسنة والشيم الرفيعة .. غير أننا لم نحاول أن نعيدها بأنفسنا .. أو ربما حاولنا ثم تراجعنا !
جميعنا يريد أن تعود أيام خلت بجمالها الذي يتجلى في التواصل والتكاتف والتآلف .. والشعور بالآخر حتى وان لم يكن ذو قرابة أو صلة .. كلنا نرجو أن نستيقظ ذات يوم لنرى الجار يسأل عن جاره والعاجز يلقى الجميع من حوله يعينه ويساعده .. والأرملة والفقير يجدان من يذكرهم ويغنيهم عن السؤال .. الجميع يشترك في الأفراح والأتراح .. والجميع يتعاون من اجل الجميع .. ليست جهة ولا جمعية .. ولا فردا .. بل الجماعة .. المدينة والبلد .. انه حلم الجميع .. لكن الحلم يتوقف عند حجة واحدة .. واغلبنا يلوح في ذهنه سؤال .. لماذا أقوم أنا بذلك بينما لا يقوم به الآخرون ؟! .. وهل سأصلح الكون ؟! والإجابة قد تبدو غريبة أو مستحيلة بعض الشيء .. إلا أنها تمثل الحقيقة تماما .. فنحن لا نحتاج سوى العزيمة والصدق مع النفس والإصرار حتى نعيد إلى الحياة جمالها .. فإن أصلح كل منا من نفسه .. ولم يرهق فكره بالتساؤل عما يمكن أن يفعله الآخرين .. فسوف يمكن ان نجيب على السؤال بالايجاب .. فالسلوك حالة عدوى .. يمكن أن تنتقل إلى الآخرين لاعتبارات مختلفة .. وكما يحاكي الناس بعضهم بعضا في كثير من السلوكيات الخاطئة .. لا بد ان يحدث الأمر نفسه بالنسبة للسلوك الحسن .. حتى وان كان ذلك في البداية لمجرد حصد الإعجاب بالنسبة للبعض .. ولكن بعد مرور وقت .. يتحول التمثيل أو المحاكاة إلى طبع وسلوك حقيقي بالتعود .. وما يهمنا هي الحالة العامة .. فهي من يعطي الانطباع النهائي للمرء حول مجتمع ما .
نعم لقد ابتعدنا كثيرا عن روح التعاون والانسجام .. واشتغل كل فرد باحتياجاته اليومية .. والعمل على حل إشكالات التزاماته المادية .. لكن هذا لا يعني انه ليس بأيدينا أن نسترجع قيما لا تقل أهمية عما نشتغل به عنها .. فهي من تجمل حياتنا وتعطي لوجودنا قيمة .. وإلا .. فما قيمة المال بلا سعادة .. وما قيمته بلا محبة !
إذن .. حبذا لو تحول السؤال إلى هذه الصيغة : لماذا لا أبدأ أنا ؟!
|
|||