كلاديس مطر:

 

الآن ، انصح بعدم القراءة، و بتفريغ العقل من كل هذه النفاية التي ألقتها في عقولنا وسائل الإعلام و وجهات النظر الدموية

 

 

الكنتاوي لبكم – أقلام

 

·        أن تكون جزء من هذا العالم العربي ( الموزاييكي ) أمر استثنائي و بحاجة لكينونة  على صورته و مثاله

·        الكتاب " حالة " لا يملكها الانترنيت

·        الرواية هي الأخرى بحاجة لكي تنتعش روح كاتبها و يشحذ بصره الداخلي و ينمو له جناحان للطيران باتجاه المغامرة الكبرى ....!

·        لقد أتاح لي الانترنيت مثلا أن أبيع كتبي لكل أنحاء العالم

·        في ثورة المخمل كنت أتحدث عن علاقة العربي المشوهة مع الزمن

·        انأ في حالة تقدير مستمرة من قبل الخالق . لقد منحني قدرة على رؤية الدنيا بنظر مختلف

 

 

-كيف يمكنك كأنثى أن تعيشي أنوثتك الوجدانية خارج النص؟

 

أرى الأنوثة على الصعيد الشخصي في تحقيق كينونة الذات أيضا ...التعبير عن خصوصيتها ، وجهة نظرها ..طريقة رصدها لهذا العالم  و العناية به و التفاعل معه ، هذا  العالم الذي  يحتل فيه الرجل ، شريكي ، شئنا أم أبينا موقع الصدارة بدعاوي كثيرة .  أرى نفسي كأنثى في حركة لا تهدأ . النصوص الجميلة ، القراءات الهامة ، لحظات الإلهام في هدأة الفجر الباكر ، مراجعة المقالات قبل دفعها الى النشر ، الاستنجاد بشبكة الانترنيت و المراجع و القواميس لحظة الانكباب على بحث أو نقد ، الشاشة البيضاء الشهية عند كتابة كلمتين إلى الأصدقاء و من يشاركوك هذا الفخ ، فخ الكتابة و الدوران كدرويش في فلك الكلمات ... كل هذا يشكل عالمي الذي لا ينفصل عن أنوثتي و خصوصيتها ...! عندما اهدأ قليلا أفكر بنفسي كأنثى و لكن من وجهة أخرى ...ابتسم عارفة أن لا مجال للخيار أمامي ...لقد رسمت خط حياتي الداخلي باعتباري ( كائن حي ) قبل أي شيء آخر . أن تكون جزء من هذا العالم العربي ( الموزاييكي ) أمر استثنائي و بحاجة لكينونة  على صورته و مثاله .لكن كل هذا .. كله لا يمنع من الغرق في العاديات اليومية من الأشياء إلى حد الثمالة ... !

 

- هل استطاعت الكاتبة العربية أن تحقق حريتها من خلال صوتها الإبداعي؟

 

يتباين مفهوم الحرية بشكل مهول بين كاتبة و أخرى . مع الأسف نحن كنساء لا ننتمي كثيرا لما نتعلم و إنما ننتمي أكثر لخلفياتنا و هذا يجد انعكاسه في ما نكتب أيضا . شخصيا لم اعد أثق تماما بالإبداع إذا لم يكن صاحبه على دراية بلغة واحدة على الأقل غير لغته الأصلية و إذا لم يكن مطلع على ثقافات و خبرات الآخرين أيضا . نريد ، لكي نبدع ، أن نعرف أين نقف و ما هي إحداثياتنا تجاه الآخر . و ما أقوله لا ينطبق فقط على المراة و إنما على الرجل لأنني لا اعتبر نفسي " امرأة تكتب " على الإطلاق و إنما " إنسان يكتب " . لهذا ، تكمن الحرية في العمق في الشفافية و المكاشفة و التوقف عن التستر على الخطأ أو فلسفته بدواع دينية أو ثقافية . الكاتب غربال كبير لمجتمعه ، غير هذا الدور، يعني انه يتلهى حين يكتب .

 

- هل الكتاب في خطر في عصر الإنترنت؟

 

على الإطلاق ، اذهب إلى معارض الكتاب و ستعرف إن البيع يتأثر فقط في الأزمات الاقتصادية الكبرى و الحروب . الكتاب " حالة " لا يملكها الانترنيت . في البداية كنا نخاف من هذا الغول الزاحف إلينا و لقد عبرت أنا شخصيا وكثيرا عن هذه المخاوف ، و خصوصا من ناحية الخوف من إن يخلق الانترنيت حالة كسل فكري ما لدى الفرد . اليوم اشعر أن مكانة الكتاب راسخة نوما ما و هذا بفضل هذه الحالة التي يمثلها الكتاب .

 

- عادة ما نسمع تذمر الكتاب من ضعف القراءة في العالم العربي ، أين تتحد مسؤولية كل كاتب بهذا الخصوص؟

هناك " عادة " اسمها القراءة . و هي أيضا مهارة مكتسبة بدرجة ما . فالبيت الممتلىء كتبا  حيث الطفل معتاد على رؤية والديه مستغرقين في القراءة لا بد أن يشعر أن القراءة ، مع الوقت ، جزء من طبيعة الحياة اليومية .  إنها فعل آخر حيوي مثل أي فعل يتعلق بجسم الإنسان و فكره . نحن في عالمنا العربي لم ننمي جديا مثل هذه " العادات " !!! أننا نميل للمماحكة أكثر و التفكير بصوت عال و الجدل... إننا شعوب المقاهي و لتنصت على المذياع و مراقبة الرائحين و الغادين من أمامنا بعيون مطفئة ثم الاجتهاد بآراء تفلت من أفواهنا عرضيا قبل النوم . الاقتصاد يقض مضجعنا .

و دور الكاتب إلى جانب المسؤول في مركز السلطة أساسي و حيوي . عليهما أن يخلقا استراتيجية كاملة من اجل " بناء " هذه العادة في المجتمع . اكتب هذه الكلمات الآن بينما لا يوجد في مدينتي مكتبات للمطالعة أكثر من المكتبة الوحيدة الموجودة في المركز الثقافي الرئيسي .

 

- هل من تحديات أمام الرواية العربية؟

 

ليست الرواية منفصلة عن العيش بكل ما فيه من شؤون و شجون . فالتحديات التي تقف أمام العيش تقف حتما أمام الرواية العربية . كلاهما معا حياة متصلة بالأخرى تأخذ منها وتعطي و تتفاعل . الثانية مصغر عن الأولى . أما تحديات الحياة فهي ؛سوء فهم " الآخر " و عدم قبوله في كوني ،تطرفي لأفكاري و انتمائي الوحيد إليها ،أميتي الروحية التي لا ترى إلا بعين الماضي الذي تحافظ عليه بكل عجره و نجره مبجلا و مبخرا و معطرا ، النقص في القدرة الذاتية على تقرير المصير و ترك الإبداع " للآخرين " ... الخ عدا ذلك فان كل التحديات الأخرى يمكن حلها من دون إشكال كثير . ليس نقص الموارد أو الانهيار الاقتصادي مثلا هو ما يقف كتحد أمام العيش و إنما فقر الروح و الوجدان ...الرواية هي الأخرى بحاجة لكي تنتعش روح كاتبها و يشحذ بصره الداخلي و ينمو له جناحان للطيران باتجاه المغامرة الكبرى ....!

 

- تتحدثين عن الكتابة الصياغية المحترفة،ماذا تعنين بهذه العبارة؟

 

شاءت الظروف الطبيعية التلقائية في حكم عملي ككاتبة و عضو  في  العديد من المنتديات و المؤسسات الفكرية و الثقافية و من خلال احتكاكي مع أهل النخبة الفكرية و الثقافية في العالم و العالم العربي ، أن أتعرف على الكثير من الأفكار العظيمة و اقترب من خبرات العديد من الخبراء و الاختصاصيين . و في كل مرة كنت أسال عن مرجع أو كتاب يحتفظ صاحبه بهذه الأفكار فيه ، كنت أفاجأ بواحد من الردين التاليين : ليت لي الموهبة لصياغة هذه الأفكار ! أو ، العمل و الحياة لم يتركا لي الوقت للقيام بذلك . أحيانا كنت ألقى الردين معا . و هكذا ، شعرت بالحاجة لان أقوم أنا بهذا الدور والمساعدة في إطلاق هذه الخبرات من صدور أصحابهما و عقولهم..

هناك العديد من المفكرين و الخبراء في مجال اختصاصهم ممن يملكون في جعابهم العديد من الأفكار العظيمة التي هي نتاج خبرات حقيقية على درجة عالية من العمق و الأهمية .  ففي  عالم الدين و الأعمال و الصحة و الطب و  الاقتصاد و السياسة و الرياضة و الفن بأنواعه ، و في حقول كحقوق الإنسان و الاجتماع و القانون المدني و العلوم التطبيقية و الفنية، هناك أفراد "مؤلفون" لكنهم لا يملكون القدرة على الكتابة الإبداعية  كما هي الحال لدى الكتاب المحترفين ، ولا حتى  الوقت أو القابلية على صياغتها و تضمينها في كتاب قادر على أن  يفي بالغرض تماما فتصل هذه الأفكار إلى متلقيها بأحسن و أفضل صورة احترافية ممكنة.

 الكاتب الصيَاغ المحترف هو الذي يتلقف هذه الأفكار من صاحبها بطريقة علمية دقيقة و يصيغها ضمن كتاب أكاديمي أو فني أو روائي أو سيرة ذاتية أو سيرة عائلة ذات شأن أو ما شابه مع الاحتفاظ باسم صاحبها على الكتاب بالطبع أو اسمه بالاشتراك مع اسم الكاتب إذا أراد ذلك و هذه تفاصيل تقنية متضمنة في العقد بين الكاتب و الطرف الثاني.

و هناك استفاضة أكثر عن موضوع الكتابة الصياغية في موقعي الشخصي:

www.gladysmatar.com  

 

- كيف تتقاطع لديك حالة المتخيل والواقعي في كتاباتك؟

 

المتخيل بالنسبة لي هو الأسطورة و الواقعي هو التاريخ . و أرى انه لا يمكننا أن نؤمن بأي أمر بشكل مطلق فنأخذ جانب واحد من دون آخر ، أو نرى الصورة بحدودها " الواقعية " من دون ان نفهم " أسطورتها " أي الجانب التخيلي الحيوي فيها . التاريخ ، كما يصلنا لا يمكن الإيمان به باعتباره منزلا ..هذا آمر غير حقيقي ..التاريخ يحرف خلال رحلته في الزمن ، يصل إلينا متبدلا ، باهتا أحيانا و متبلا بوجهات نظر كثيرة و اجتهادات متراكمة . لهذا ، فان الأسطورة " المتخيل "  أكثر قدرة على عكس روح الأمة و فكرها و تطلعاتها و أحلامها .إنها ، أي الأسطورة " محفوظة بملح ذاتها . و لاعطيك مثلا على هذا أقول إن وقائع معركة واحدة يمكن أن تسرد انطلاقا من عشرة  وجهات نظر بينما لا يمكن لأحد المساس بأسطورة أو صورة افتراضية متخيلة  . إنها باقية على أحجارها حتى تتفتت . لم أرى أحدا ادخل ريشته و بدل في وقائعها ..أو حرف من ترتيب حوادثها ..بينما تشعر إن لك ملىء الحق بكتابة وجهة نظرك في كل وقائع التاريخ بل و حتى وصم بعضها بالكذب . آخر حادثة تاريخية قريبة جدا و لا زالت موضع جدل  هي الهولوكوست . فبالرغم  من قربها الزمني ( القرن العشرين ) و بالرغم من توفر كل أدوات ( التأريخ ) إلا أن الجدل مازال دائرا حول  احتمال حدوثها  . غريب أن يحفظ لنا التاريخ تفاصيل حياة القياصرة قبل الميلاد بينما حادثة وقعت في القرن الماضي لسنا متيقنين منها بعد . هذا هو التاريخ " الواقعي " ! أراه أحيانا من دون هيبة .

 

- دخول الرواية إلى السينما العربية ربما قد يحقق لها نوعا من الإضافة،لكن هل يعني هذا اندماجها في سوق الاستهلاك ؟

 

إذا كانت السينما تتناول " حياة الإنسان الاستهلاكية " بفنية عالية لا تكون ، و الحالة هذه ، سينما استهلاكية . الاستهلاكية لها ميزات . إنها أولا لا تتناول الفكرة بشكل فني و إنما تجاري مراكمة فيه توابل السوق و بهاراته . ثانيا ، هي ليست سينما وجهة نظر  و إيجاد حلول و حث على التفكير . إنها سينما الحدث . قد تكلف السينما الاستهلاكية ملايين الدولارات و لكن تبقى هشة و من غير ذات قيمة . السينما ليست عنوانا لسوق الاستهلاك . إن تناول فكرة الفيلم و مقاربته هي التي تحدد إن كان الفيلم استهلاكيا آم لا ...!

 

- هل فكرت في خوض مغامرة الكتابة للسينما أو التلفزيون؟

 

أنا اعمل الآن على مسلسل درامي طويل ! كتبت قصته و اعمل الآن على السيناريو و الحوار .

 

- لك حضور متميز في عالم الانترنت،إلى أي حد يمكن للكاتب العربي أن يطمئن إلى ما ينشر عبر الويب ؟

 

المعلومات التي تنشر على الانترنيت هي ذات قيمة متباينة . فليس كل ما فيه يحمل قيم الدقة و الجدية و المسؤولية . و لكن هناك حتما مواقع في غاية الأهمية و الإبداع و أجد أنها وسيلة ممتازة لوصول النص الجيد أيضا إلى جانب بقية الوسائل التقليدية الأخرى .  لقد أتاح لي الانترنيت مثلا أن أبيع كتبي لكل أنحاء العالم انطلاقا من عدة مواقع تهتم بهذا الأمر و أن أدير ورش للسرد يشترك فيها العشرات كل واحد منهم في بلد و هذه إمكانية غير متوفرة بغير طريق الانترنيت . لكن ليست هذه كل أنشطتي . انأ اعمل على كتبي و أبحاثي يوميا كتلميذة مثابرة و هذه كلها ستكون منشورة ضمن دفتي كتاب أو كتب .

 

-مالذي يحاول كشفه كتابك " خلف حجاب الأنوثة''؟

 

هذا الكتاب في النهاية ملخص لمشروع طويل منتشر بين مقالاتي و كتبي و قصصي التي اكتبها. انه مشروع يتكامل و يتنامى و يأخذ أبعاد إضافية كل يوم اعمل عليه . انه بحث متواصل عن أنوثة المرأة الوجدانية ، الأنوثة الداخلية الفعالة و التي  لها دور في النهضة المجتمعية . إنني لست منشغلة على الإطلاق بأية أنوثة خارجية بالرغم من تأكيدي على ضرورة اهتمام المراة بلمسات الجمال لديها . غير أني  ،و أتحدث هنا برأي الشخصي مثلا، اعني بالأنوثة ذلك النموذج الموجود في فكرة  المراة التي تمثلها " نوال السعداوي" على سبيل المثال . أتمنى أن تكون فكرتي قد وصلت عما أريد أن احدده حول فكرة " الأنوثة "

 .

- جاء في تقديم الباحثة فاطمة المرنيسي لكتابك" ثورة المخمل" أن  شخوصها جميعا ملتبسة أمام هذه العلاقة القلقة والمضطربة مع الزمن،كيف هي علاقتك الآن مع الزمن؟

 

اعتقد أن لي قناة ما ذات امتداد أفقي مع التاريخ ..التاريخ بعمقه الروحي و الزمني . أي اشعر بأنني أستطيع أن أتحرك بشيء من الحرية ،  لا ادعي الكاملة ، على مساره الزمني . لكني لست عبدة له و علاقتي به افهمها انطلاق من ميلي أيضا للسؤال و التجريب و وضع كل شيء تحت المجهر . لا أرى الزمن مقدسا على الإطلاق و إنما يهمني الجانب التقني فيه . الزمن الفعلي هو ما يحدث داخلي و طريقة رؤيتي لهذه الدنيا .. انه ليس حركة العقارب فوق ميناء الساعة . لكني في ثورة المخمل كنت أتحدث عن علاقة العربي المشوهة مع الزمن ، و اقصد بالزمن الماضي فقط . فالعربي يهمه الماضي أما الحاضر فخطواته باتجاهه غالبا ما تكون

مصحوبة بشيء من الارتباك . لقد كان البطل لاعبا في السيرك يقضي وقته في السير على حبل مشدود . هل يذكرك هذا بأحد تعرفه !!

 

 

 -كتاب تنصحين القراء بمتابعته؟

الآن ، انصح بعدم القراءة، و بتفريغ العقل من كل هذه النفاية التي ألقتها في عقولنا وسائل الإعلام و وجهات النظر الدموية . و اطلب من كل فرد أن يعيد تقييم الأمور بحسب موافقته هو و رؤيته هو لا بحسب المرجعية الوحيدة التي تزن في أذنه ليل نهار . فالمعطيات لا تصل إليه كما هي و إنما مبهرة و مملحة و مصحوبة بخلفية موسيقية لتزيد من تأثيرها المدمر عليه .

 

هل نلت حقا ما يوازي إبداعك !

 

نعم ...! انأ في حالة تقدير مستمرة من قبل الخالق . لقد منحني قدرة على رؤية الدنيا بنظر مختلف ، و ميل بديع لإعادة سرد الحياة على الورق ، و توق للمعرفة لا ينضب ! هذه المتعة المقدمة لي على طبق من كلمات هي كل ما أريد .