|
الخربشات: عبث أم تعبير عن دوافع ورغبات حقيقية؟ |
|
|
|
![]() |
|
ليس من الشطط الاهتمام بالقضايا التي لا يقترب منها الخطاب التربوي إلا لماما، ولا يقرعها إلا على استحياء، نظرا لطبيعتها المخاتلة التي تجعلها تتوارى عن العين الباصرة وتتنحي إلى الظل والهامش الذي لا يزاحمها فيه بالمناكب إلا أخواتها من الجزئيات التي تتناسل وتتوالد في كنف المستور أو المسكوت عنه إلى حين، فحجم الظواهر التي تنمو وتفشو بعيدا عن مركز دائرة الاهتمام، يدعو أحيانا إلى كثير من الاغتمام، خاصة وأن استثناءها من القول الفصل نقضا أو نقدا أو ترحيبا أو توجيها، لا يزيدها مع مرور الأيام إلا قوة وصلابة عود، ولا شك أن الجهر بمنع ما تهواه الأنفس وتميل إليه الأفئدة ترويحا أو تفريجا لكرب أو غمة، لا يزيد المولع به إلا تعلقا، وأحب شئ للمرء ما منع. الخربشات أو الكتابات الهامشية أو المهمشة قد أصبحت تملأ سمع الدنيا وبصرها في اغلب الأماكن الخاضعة للضوابط والقيود التنظيمية الملزمة، فضلا عن غيرها من الأماكن العامة ووســــــائل النقل العامة والخاصة التي أضحت حرما مباحا وساحة تتسع لما ضاق الصدر عن كتمانه والاحتفاظ به، كما ضاقت وسائل التعبير عن الرأي أيضا عن احتوائه نظرا لكونه لا يتسق ولا يتساوق مع الخط الذي ارتسمته لنفسها، الأمر الذي يضع عبء إثبات الجدارة والقدرة على حل المشكلات، على عاتق المجتمع برمته، إذ أن الثقوب التي تحدثها هذه الخربشات على وجه المجتمع المعاصر ، تشكل وشمة لن ينجو من تشويهها لجماله، إلا إذا عرف كيف يحرف يد الواشم في الاتجاه الذي لايكبت الواشم ولا يمنع ويكبح قدرته وطاقته الإبداعية، ولا يفسد في الجمال المرغوب قضية انتشار ظاهرة الرسم والكتابة على الجدران، وما يشابهها كإرسال الصور "الخليعة" عبر الخلوي أو الهاتف النقال، يجدر بنا التساؤل: ما السر الكامن في انتشار ظاهرة الخربشات على الجدران والطاولات؟ وما السبيل الأنسب لمعالجتها والحد من فشوها؟ أليس الخطاب التربوي مسؤولا مسؤولية تقصيرية عن هذا التحدي الذي يتشامخ في ظل التجاهل والمنع وعدم الاعتراف بلب المشكلة؟ كيف يمكن تسويغ ظاهرة تنم عن عقلية فوضوية ترفض منطق النظام، وكيف يترك الحبل على الغارب لثلة من الشباب المفعم بالحيوية المفضية أحيانا كثيرة إلى الطيش والنزق، أليس الضرب بقوة على الأيدي العابثة بالأملاك العامة والخاصة ضرورة يفرضها حفظ النظام؟ أسئلة كثيرة تتواتر وتتوارد لتشكل مهادا للحوار والمناقشة من جهة وتشكل من جهة أخرى قاعدة انطلاق نحو تركيب مركب نظري نحاول من خلاله الاقتراب من عـــــــالم الخربشات سنحاول في هذا المحور أن نتكشف أهم الدوافع التي تمثل القوة الدافعة إلى الرسم والكتابة على الجدران ، هل هي مجرد التسلي وملء البياضات على الجدران، حين يتوقف التواصل المـــباشر بين الشباب والمجتمع، أم هي انعكاس لاستصحاب وضع عام في المجتمع الذي لم تسلم جدران بيوته ولا أرائك ومقاعد حافلاته وقطاراته من الخربشات؟ أم أن أنها تعابير أو أشكال للتواصل الذي انقطع حبله مع طرف معين، فاختار المرسل هذه القناة المتيسرة والحرة أو المتحررة من سلطة الرقيب والمبتعدة عن ضغط الاعتبارات الأخلاقية والاجتماعية التي تمنع البوح بالكثير مما يخا لج الصدر جـــــــــــــــــريا على المثل القائل: ماكل ما يعلم يقال. وفوق هذا وذاك، أليست الخربشات، بهذا الاعتبار، رسالة موجهة بشكل واع ومقصود ليفهمها الجميع، أليست بهذا المعنى إبداعا، ولو تدثرت برداء غير مقبول لدى الكثيرين ؟ أليست الرسوم التي تؤثث كثيرا من الجدران جديرة باعتبارها فنا غير معترف به ، يشكل مظهرا من مظاهر ثقافة خاصة داخل إطار الثقافة الشعبية بمختلف رموزها وتجلياتها. أسئلة كثيرة جديرة بالمناقشة، لعل كثيرا منها حاول الباحث برادلي بارتولوميوBRADLEY .J.BORTOLOMEO طرحها على مائدة البحث والمساءلة من خلال معطيات واقع خبره بحكم احتكاكه به ، وهو واقع الخربشات في الفضاءات العمومية في الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة بنيويورك كما ذكر في فاتحة أطروحته. إن إدراكنا لاختلاف النسق الثقافي والحضاري الأمريكي عن نظيره العربي الذي يرتكز على بنية يشكل الدين الإسلامي والعروبة سدى نسيجها، لايمنع من التقاط بعض الجوانب العامة من الأطروحة السالفة الذكــــــــــــر من اجل استثمارها في التأسيس النظري لظاهرة الخربشات والرسم على الجدران، من اجل فهم دوافعها الحقيقية. أساليب الخربشات : من المعقول أن نسم خـارطة انتشار الخربشات، بأنها خارطة تعكس اللانظام الذي يحكم هذه الظاهرة من جهة، وأنها خارطة تشكل فسيفساء غير منظمة جامعة لتعابير مختلفة تختزل اهتمــــــــــــامات كثيرة ومتشعبة، منها ما يرتبط بذات الكــاتب وبـــذات غيره، ولها ما يرتبط بقضايا معينة وإذا كان تضيق العبارات ممكنا مهما كثرت، فان تحديدها في أضواء وأساليب محددة تجمع شتاتها، ليس من قبيل الأمر الهين، وفي هذا الإطار، صنفت الباحثة سوزان فيليب الخربشات إلى صنفين هما: الخربشات الشعبية وقد أوضحت الباحثة المذكورة أن هذا النوع من الخربشات هو الأكثر شيوعا، ومن أمثلته "السخريات" والتعابير عن الحب...، وهو يكتب في الغالب أو على العموم باللغة المحلية أوالوطنية لكي يفهمه الجميع. الخربشات القائمة على جهد جماعي ذكرت الباحثة بخصوص هذا النوع من الخربشات ، أنه في جو هره، يشكل نوعا من الازعاج بالنسبة للمواطن العادي، لذلك كان من الضروري أن تضع الدراسة أمام القارئ تصورا واضحا عن هذا النوع، يمكنه من فهم معناه أو مغزاه المعقد، وكذا فهم الثقافة الدينامية التي ولد و نبع منها،ومن أمثلة هذا النوع ماسمته المؤلفة بثقافة HIP-HOP التي تعتبر في نظره نتاجا لثقافة البوب المعاصرة –A prodnct of comtemporay pop CULTURE- المتفردة بموسيقى، ولباس وخطاب خاص، يشكل خطا نشازا داخل البيئة الفنية. وإذا ما عدنا إلى واقع الخربشات في مجتمعنا، فإننا دون ريب لن نعدم أمثلة لهاته النماذج المبثوثة والمنبتة في المجتمع الأمريكي، فما يسمى بالخربشات الشعبية تندرج فيه كل الشعـــــــــــــارات والعبارات والرسوم والخدوش التي نجدها فوق جدران المؤسسات وعلى مقاعد الحافلات وغيرها، أما النوع الثاني الذي تمثله الخربشات التي تنتجها جماعات موجهة ذات خط فكري أو ايدولوجي معين، فقد لانجد لها ظلا كبيرا في مؤسساتنا. اللهم إذا وضعنا في عين الاعتبار تلك العبارات التي ينقشها على بعض واجهات الجـــــــــدران الطلبة المنتمون إلى اتجاهات سياسية ونقــــابية بالجامعات . الخربشات واستعمال الفضاءات والأماكن العمومية: إن الفضاءات والمساحات التي تمتد وتنتشر عليها الخربشات، تثير أكثر من تساؤل ، فمن جهة، يطرح مشكل انتهاكها لفضاءات عمومية أو خاصة دون طلب الترخيص من ملاك هذه الأماكن سواء أكانت جدرانا أم مقاعدا أم غيرها، وهي بهذا تمثل انتهاكا للملكية العمومية و الخاصة، وتشكل تهديدا للرقابة الاجتماعية والسياسية ( التي تقوم بها الدولة )، ولكن من جهة أخرى، لماذا تعتبر الخربشات خارجة عن القانون، ومتحدية لمقص الرقيب، بينما نحن نـــــــــداهم بآلاف الصور والمنتوجات الإعلامية التي لـــــــــم نخترها ، ولا ننظر إليها بعين الرضا،ولكننا نغض عنها الطرف، بينما نعتبر الخربشات نوعا من الإفساد والتدمير Vandalism إن المطلوب – إذن- هو تسييج جميع الخطابات المنتجة في إطار رسمي وغير رسمي بالقانون الذي يضبط حدود المباح والمحظور، ويضمن حرية التعبير، وذلك لان التهميش والتغاضي عن الظواهر لا يؤدي إلى حل المشكلة بقدر ما يؤدي إلى استفحالها واستمرارها، ولذلك، فإنه من قبيل الحكمة ألا يترك الحبل على الغارب، بل يجب أن يبحث عن الأسباب الحقيقية لانتشار الخربشات عن طــــــــــــريق تفكيك الرسائل المكتوبة بوفرة في كل زاوية من زوايا مؤسساتنا التعليمية فضلا عن باقي الأماكن العمومية والخاصة، وأن نضع في عين الاعتبار أن هذه الكتابات الهامشية تنتمي لكتاب يشعرون بنوع من التهميش وعدم الاهتمام بقضاياهم، فينتهجون هذا الأسلوب ، ويتخذون هذه الوسيلة الهامشية أيضا في جوهرها ( أي الخربشات ) من أجل تبليغ ما يريدونه، وقد أشارت الباحثة أرموندو سيلفا Armando silva إلى هذه العلاقة القائمة بين الشخص المستشعر للتهميش، وبين اختيار الوسيط أو القناة التواصلية المهمشة، داعية إلى أن يوضع في عين الاعتبار أن هــــــــــــــامشية الوسيلة المستخدمة في التعبير، لا يجب أن تحرمنا من الوقوف على محمولاتها ، اذ أنها في كل الأحوال طريقة للتعبير عن الرأي، وينبغي أن نضع في الاعتبار أيضا أن الخربشات أو الرسوم والكتابة على الجدران، ليست محظورة ولا مستهجنة بالضرورة من حيث مضمونها، لكن الأسلوب والشكل البذيء أحيانا التي تبلغ به هو الذي يجعلها مرفوضة من قبل المجتمع، لأنها تتنافى مع قيمه وأعرافه. هل الخربشات فوضى؟ يرى فوريل ferell (1983) أن الطبيعة الثورية والتمردية للخربشات، تجعل منها نوعا من الفوضى وحالة من التسيب anarchism ، يشهد على ذلك، أنها لاتخضع لقيود ولا قوانين، وأنه لايمكن التنبؤ بمكان وزمان حدوثها، كما أكد فوريل أن الطبيعة المائزة لهذا النوع من الكتابة، هو كونها معارضة لأنماط السلطة. ومادامت عصية على الضبط والتحكم بها عبر التنبؤ العلمي بزمان ومكان حدوثها، فإنها تظل تشكل هاجسا مؤرقا للسلطوية والغطرسة التي يكرسها النظام الرأسمالي. إن الخربشات رغم طابعها الفوضوي الذي يسقطها من الاعتبار ، بوصفها فعلا خارجا عن القانون، هي بطبيعتها تعرية للحقائق وللواقع المر الذي يعيشه الإنسان في ظل التباين الاجتماعي الصارخ ، فالخربشات ليست في الحقيقة سوى انعكاسا للصورة الحقيقية التي يعيشها المجتمع، ولا يستطيع الانسان التعبير عنها بطلاقة نظرا للكوابح والضوابط الأخلاقية والاجتماعية والسياسية، وإذ كان من سيئات الخربشات أنها تستخدم وسيلة غير مقبولة لإيصال الخطاب، فإن من حسناتها أنها تهدم الحدود بين الناس وواقعهم أو محيطهم الاجتماعي، وإذا سايرنا من يقول بـــــــــــــــأن الخربشات تعكس حالة من الفوضى والتسيب، فإنه يحق لنا التساؤل عما إذا كان هذا ما يفسر نزوع التلاميذ، والأطفال خصوصا، إلى الخربشة، خاصة وأن " الفلاسفة – مـــــــــــن أفلاطون إلى ديكارت – يؤكدون في أغلبيتهم على الطبيعة الفوضوية للطفل "، فصورة الطفل عندهم ترتبط إلى حد كبير باللانظام. وبالمقابل، يثور التساؤل أيضا عن علة لجوء كثير من الحركات والعصابات إلى انتهاج أسلوب الخربشات للتعبير عن رؤاهــــــــــــــا وتصوراتها، فالنازية مثلا تمعن في رسم شاراتها في الأماكن العامة، وعصــــــــابات الصهاينة لا تتردد في رسم رمــــــوزها العقدية الدينية على الجـــــــــــــــــدران وغيرها، الخربشات أسلوبا لهدم أو معارضة نظام مجتمعي وثقافي أو سياسي قائم إذ يرى بعض الدارسين أن الخربشات طريقة تلجأ اليها العصابات أو بعض أفراد المجتمع عموما بطريقة غير علنية لمعارضة نظام المجتمع الذي ينبذهم أو يهمشهم أو يرفضون التواصل معه.
|
|